الشيخ محمد رشيد رضا

319

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ضد ما كان ، فترك جماهير أهل الكتاب ذلك الغرور بدينهم ، واهتدوا بسنن اللّه في الأمم والدول التي كانت قبلهم ، فساروا عليها في سياسة ملكهم ، وكان آخر حوادث غرور دولهم الكبرى غرور دولة الروسية ، في حربها مع دولة اليابان الوثنية ، على أنه لم يكن غرورا دينيا محضا ، بل كان ممزوجا بالاستعداد الدنيوي مزجا . وبقي من اتبعوا سننهم من المسلمين ، ثابتين على تقليد أولئك المخذولين ، وفتن بعضهم بالمتأخرين المعتبرين ، ولكنهم ما احتذوا مثالهم في أمر الدنيا ولا رجعوا في مثله إلى هدي الدين ، ( وَما يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ ) أقام اللّه الحجة على أهل الكتاب ودحض شبهتهم التي غرتهم في دينهم ، فحسن بعد هذا ان يذكرهم بحجته عليهم يوم القيامة إذا هم أصروا على غرورهم وضلالهم ، فقال : * * * يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أي قد جاءكم رسولنا المبشر به في كتبكم ، المنتظر في اعتقادكم ، فان اللّه أخبركم على لسان موسى انه سيقيم نبيا من بني إسماعيل أخوتكم ، وعلى لسان عيسى بن مريم بأنه سيجيء بعده البارقليط روح الحق الذي يعلمكم كل شيء ، ولا تزال هذه البشارات في كتبكم ، وان حرفتموها بسوء فهم أو بسوء قصد منكم ، وهو النبي الكامل المعهود الذي سأل أجدادكم عنه يحيى ( يوحنا ) عليه السّلام ، ففي أوائل الإنجيل الرابع ان اليهود أرسلوا كهنة ولاويين فسألوا يوحنا : أأنت المسيح ؟ قال لا . أأنت ايليّا ؟ قال لا . أأنت النبي ؟ قال لا . وهذا هو الرسول محمد النبي العربي الاميّ الذي لم يتعلم شيئا ، وهو يبين لكم على فترة أي انقطاع من الرسل ، وطول عهد على الوحي ، جميع ما تحتاجون اليه من أمر دينكم ، وما يصلح به أمر دنياكم ، من العقائد الحق التي أفسدتها عليكم نزعات الوثنية ، والاخلاق والآداب الصحيحة التي أفسدها عليكم الافراط والتفريط في الأمور المادية والروحية ، والعبادات والاحكام التي تصلح بها أموركم الشخصية والاجتماعية - فترك التصريح بمفعول « يُبَيِّنُ لَكُمْ » لإفادة العموم - ويدخل فيه ما بينه لكم مما كنتم تخفون من الكتاب لإقامة الحجة عليكم . ولو لم يكن رسولا من عند اللّه تعالى لما عرف هذا ولا ذاك مما تقاصرت عنه علوم احباركم